محمد جمال الدين القاسمي
202
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وأيضا إن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له ، حصل في قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جدّا ، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا لذلك التصور النفساني ، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص ، لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان ، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان . وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية ، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ، ويتعجب منه . فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل ، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه ، والنفوس النبوية نطقت به ، فعنده لا يبقى في وقوعه شك . وإذا ثبت هذا ، ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين ، كلام حق . لا يمكن ردّه . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 69 ] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يخبر سبحانه بأن إخوة يوسف لما قدموا عليه ، ضم إليه أخاه ، بنيامين ، إما على الطعام ، أو في المنزل ، وأعلمه بأنه أخوه ، وقال له : لا تبتئس . أي لا تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى ، فإن اللّه تعالى قد أحسن إلينا ، وجمعنا بخير . و قد روي أنهم لما قدموا عليه ، ووقفوا بين يديه ، رأى أخاه بنيامين معهم ، فأمر بإنزالهم في بيته ، وحلولهم في كرامته وضيافته ، وحضورهم معه في غدائه . ثم دخل عليهم فقاموا وسجدوا له ، وسألهم عن سلامة أبيهم ، ورفع طرفه إلى أخيه ، فأدناه وآواه إليه ، وآنسه بحديثه - كما ذكر في الآية - ثم أراد يوسف أن يحتال على بقاء أخيه عنده ، فتواطأ مع فتيانه ، إذا جهز إخوته ، أن يضعوا سقايته في رحل أخيه ، كما بينه تعالى بقوله . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 70 ] فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( 70 ) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي من الطعام جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ وهي